أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

88

العقد الفريد

المسيح عليه السّلام : ومما أنزل اللّه على المسيح في الإنجيل : شوّقناكم فلم تشتاقوا ؛ ونحنا لكم فلم تبكوا ؛ يا صاحب الخمسين ، ما قدّمت وما أخّرت ؟ يا صاحب الستين ، قد دنا حصادك ! يا صاحب السبعين ، هلمّ إلى الحساب . وفي بعض الكتب القديمة المنزلة : يقول اللّه عز وجل يوم القيامة : يا عبادي طالما ظمئتم ، وتقلّصت في الدنيا شفاهكم ، وغارت أعينكم عطشا وجوعا : فكلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية . وأوحى اللّه تعالى إلى نبيّ من أنبيائه : هب لي من قلبك الخشوع ، ومن نفسك الخضوع ، ومن عينيك الدّموع ؛ وسلني فأنا القريب المجيب . وفي بعض الكتب : عبدي ، كم أتحبّب إليك بالنعم وتتبغّض إليّ بالمعاصي ؛ خيري إليك نازل ، وشرّك إليّ صاعد . وأوحى اللّه إلى نبيّ من أنبيائه : إن أردت أن تسكن غدا حظيرة القدس ، فكن في الدنيا فريدا ، وحيدا ، طريدا ، مهموما ، حزينا ؛ كالطير الوحدانيّ : يظل بأرض الفلاة ، ويرد ماء العيون ، ويأكل من أطراف الشجر ؛ فإذا جنّ عليه الليل أوى وحده ، واستيحاشا من الطير واستئناسا بربه . ومما أوحى اللّه إلى موسى في التوراة : يا موسى بن عمران ، يا صاحب جبل لبنان ، أنت عبدي وأنا إلهك الدّيّان ، لا تستذلّ الفقير ، ولا تغبط الغني بشيء يسير ، وكن عند ذكري خاشعا ، وعند تلاوة وحي طائعا ؛ أسمعني لذاذة التوراة بصوت حزين . موسى عليه السّلام : وقال وهب بن منبّه : أوحى اللّه إلى موسى عند الشجرة : لا تعجبنّك زينة فرعون ولا ما متّع به ، ولا تمدّنّ إلى ذلك عينك ؛ فإنها زهرة الحياة الدنيا وزينة المترفين ؛ ولو شئت أن أوتيك زينة يعلم فرعون حين ينظر إليها أن مقدرته تعجز عنها فعلت ؛